عرض لكتاب “كيف نبني العائلة?” ، تأليف ون روزموند 2009/12/01
Posted by shallwediscuss in المستطـرَف والمستظـرَف من كتابات الأصدقاء.Tags: ون روزموند، العائلة، تربية، مبادىء في التربية
trackback

عرض المهندس مجدي ممدوح
المعلم الأساسي للحقبة التي نعيشها في الزمن الراهن هو التفكيك، أعني تفكيك المؤسسات التقليدية التي ظلت سائدة طوال آلاف السنين، ومن ضمن المؤسسات التي تعرضت للهجوم والنقد والمسائلة مؤسسة الأسرة، ويمكن القول أن عصر ما بعد الحداثة أفرز وضعا كارثيا فيما يخص السلطات المجتمعية. واتجهت المجتمعات الحديثة إلى إعطاء الأطفال اهتماما مركزيا على حساب مؤسسة الأسرة، لقد تحول كل طفل إلى إمبراطور صغير تتسابق المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني على تقديم الرعاية والدعم له مما عرض دور الآباء إلى التراجع، وأصبح أطفال المجتمعات الحديثة خارج السيطرة تماما وغير خاضعين لأي سلطة من نوع كان.
الكتاب الذي بين أيدينا يحاول ترميم بناء العائلة التقليدي، هذا البناء الذي اضطلع بعمليات التحديث والتنمية والتقدم العلمي والتقني طوال الأربعة قرون السابقة، وهي عمر الحداثة، إن المؤلف لا يخفي مشاعر الاستياء من التداعيات التي أفرزتها حقبة ما بعد الحداثة، ونجد في الكتاب نقدا لاذعا لما بعد الحداثة في أكثر من موضع، والمؤلف هنا يغرد خارج السرب، وعلينا الانتباه أن ما يطرحه يتناقض ويتعارض مع النظام التربوي القائم في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة التي أعطت الحرية الفردية أولوية مطلقة على حساب الكيانات المجتمعية.
نقطة البداية من وجهة نظر المؤلف هي إعطاء العائلة مكان الصدارة بدلا من التركيز المبالغ فيه على الأطفال، فالعلاقات داخل العائلة كلها أساسية ومحورية، علاقة الأم والأب، سلطة الأم والأب، علاقة الأبوين بالأطفال، هذه كلها أمور يجب مراعاتها لخلق حالة ايجابية يستطيع الأطفال أن ينشئوا فيها بشكل متوازن داخل منظومة اجتماعية متكاملة ليصبحوا أفراد متوازنين أصحاء، وهكذا جاء عنوان الكتاب كيف نبني العائلة كمقدمة لتربية الأطفال.
المؤلف يقدم مبادئ خمسة لتربية الأطفال وهي تصب كلها في التصور الذي أوردناه قي السطور السابقة.
المبدأ الأول: هو ضرورة وجود سلطة مرجعية في العائلة، سلطة مركزية هي سلطة الأب والأم، وهذا يتطلب أن تكون علاقة الزوج والزوجة أقوى العلاقات داخل الأسرة، وهي يجب أن تكون أقوى من علاقة الأم بالأطفال وأقوى من علاقة الأب بالأطفال، هذا مهم للغاية، إن علاقة الزوج و الزوجة هي النواة الصلبة التي تقوم عليها الأسرة، وفي حالة خراب هذه العلاقة فلن يكون ممكنا التعويض عن ذلك في أي علاقات فرعية أخرى داخل العائلة، إن النتائج المترتبة على هذا المبدأ كثيرة، أولها وأهمها تدعيم سلطة الأم المتراجعة، إن الوضع المأساوي الذي تعيشه الأمهات المعاصرات يتطلب منا أن نعيد النظر في كل خططنا في هذا الشأن، لقد أصبح الأطفال يخاطبون الأمهات وكأنهن دون مرتبة الرقيق، أصبح الأطفال يصرخون في وجوه الأمهات ويضربوهن ويبصقون في وجوههن، ويعقد المؤلف مقارنة بسيطة بين وضع الأم قبل خمسين عاما ووضعها الآن ليتبدى لنا المصير المؤلم الذي صارت إليه سلطة الأم وسط الاهتمام والتركيز المرضي على الأطفال، الأم تحولت إلى خادمة مهانة للأطفال، فهي التي تخوض معارك طفلها وتتحمل الصعاب وتجدف زورقه وتوضب له سريره وكل شيء.
لقد أصبح وضع الأم ينطوي على مفارقة، فهي خارج المنزل قائدة وناجحة وآمرة ومتسلطة في محيط العامل، ولكنها تعود للمنزل لتتلقى الاهانة والإذلال من الدكتاتور الصغير القابع في المنزل، وهذا الوضع ربما ينسحب على بعض الآباء وان بدرجة أقل، إن مسألة إفناء ذواتنا من أجل الأطفال سيؤدي إلى انهيار مؤسسة العائلة، ولن يكون في صالح الأطفال في نهاية المطاف.
المبدأ الثاني هو تكريس القيادة من خلال التواصل المستمر مع الأطفال، علينا أن نقود الأطفال وأن لا نسمح لهم بقيادتنا، يورد المؤلف النقاط الثلاث القاتلة التي تقود إلى انحرافات خطيرة في العملية التربوية، وهي التساهل والتمكين والإنقاذ، التساهل مع الطفل والسماح له بحريات واسعة والامتناع عن معاقبته، تمكين الطفل بإعطائه الصلاحيات والقدرة على القيام بما يريد، إنقاذ الطفل من أي ورطة أو مشكلة يقع فيها بسبب سلوكه الخاطئ دون تحميله مسؤولية، هذه هي الوصفة السحرية لإفساد أي طفل. وهنا يعترض المؤلف بالكامل على مقولة أن تكون صديقا لطفلك، لأن الصديق لا يستطيع أن يكون قائدا حازما عند الضرورة، علينا دائما أن نؤدب الأطفال وسنشاهد السلوك الصحيح بعد ذلك، علينا أن نكون حازمين في إيصال الأوامر الصحيحة للأطفال بكل وضوح دون مواربة أو جعل الأمر على هيئة سؤال، لماذا لا تفعل كذا يا عزيزي؟، هذا لن يجدي نفعا، علينا التوجه إلى المقصد دون ترك مجال للتأويل أو التخيل، علينا توجيه العقوبات للأطفال عندما يكون ذلك لازما، عندما يرتكبون أخطاء متعمدة علينا أن نعاقبهم دون تساهل أو ميوعة، هذا أفضل لحمايتهم من تكرار الأخطاء.
المبدأ الثالث هو تعليم الأطفال مهارة احترام الآخرين بدلا من التركيز المستمر على إذكاء روح الاعتداد بالنفس لدى الأطفال، يعترض المؤلف على عبارة ملصقة على المرآة في إحدى مدارس الأطفال، العبارة هي” أنت تنظر الآن إلى أحد أكثر الأشخاص تميزا في العالم الواسع برمته”، لقد أدت هذه الممارسات التربوية غير المدروسة إلى تشوهات كبيرة في شخصية الطفل، يرى المؤلف أن الأسلوب التربوي الصحي أن تتوقف عن امتداح الأطفال المبالغ فيه، وتضخيم ذواتهم، ويرى أن الأسلوب الأفضل هو امتداح انجازاتهم، عندما يفعل شيئا صائبا علينا المبادرة إلى امتداح هذا العمل بشكل محدد ومباشر وليس امتداح الطفل بشخصه، علينا أن نجعل الطفل يستمد قوته وعظمته من خلال انجازاته هو، علينا أن ندع الأطفال يقفون على أقدامهم هم وليس على أقدامنا نحن، إن المؤلف يحذر من أن الأشخاص ذوي الاعتداد الشديد بالنفس سيكونون في غاية العنف عندما يتعرضون للنقد بسبب أخطائهم، ويميل المؤلف هنا إلى امتداح الطريقة الانكليزية في التربية ويفضلها على الطريقة الأمريكية.
المبدأ الرابع هو ايلاء الأهمية للأخلاق والقيم والسلوك الحسن بدلا من التركيز على المهارات والتدريب والتحصيل العلمي، إن التميز الأكاديمي والعلمي لا يصنع وحده أفرادا متميزين فإذا لم يترافق ذلك مع التزام أخلاقي وقيمي فان العباقرة سيتحولون إلى أفراد معطلين بسبب الاحرازات المأساتية لسلوكهم غير الأخلاقي والذي يحد دائما من انجازاتهم ويقف حائلا أمام تقدمهم في المجتمع، علينا الانتباه أن قادة العالم عبر التاريخ هم الأخلاقيون الكبار وعلى رأسهم الأنبياء، يرى المؤلف أن مفتاح النجاح في تربية الأطفال هو التركيز على تعليمهم السلوك الحسن والفضائل، لأن هذه التربية الفاضلة ستتيح لهم تكوين المهارات واختراق كل الحواجز، في حين أن التركيز على المهارات والتحصيل والتفوق لن يتيح لهم مستقبلا بناء منظومة أخلاقية قيمية بعد فوات الأوان.
المبدأ الخامس هو التركيز على تحمل المسؤولية من قبل الأطفال، ويجب أن نعطي ذلك أولوية على حسن الأداء في الواجبات، على الطفل أن يتحمل بعض المسؤوليات داخل الأسرة، وعليه أن يعطي التوازن الصحي بين المسؤوليات والامتيازات، ويرى المؤلف أن هذه التنشئة هي مقدمة لتنشئة الطفل على المواطنة والتي تقوم على هذا المبدأ. علينا أن لا نبادر إلى منح الأطفال أجرا على بعض الأعمال التي يقومون بها في المنزل مثل التخلص من القمامة، لأن هذا يضعف الشعور بالمسؤولية لديه، على الأطفال أن يتحملوا مسؤولية أفعالهم في المدرسة، وأن لا نبادر إلى نجدتهم عند كل مشكلة.
كلمة أخيرة نقولها بخصوص المنظومة التي طرحها المؤلف عبر المبادئ الخمسة، إن الكثير مما أورده المؤلف هو صحيح، وقد استطاع تشخيص كثير من العيوب والتشوهات التربوية في المجتمعات الحديثة، ولكن هل أن المعالجات التي طرحها صالحة للعمل في هذه المجتمعات، إن المؤلف يفترض أن اللاعب الأساسي في تنشئة الطفل هو العائلة، بينما نرى أن هناك تيارات عديدة ومتناقضة تتجاذب الطفل منذ مولده في عصر الانفجار المعلوماتي والتطور المذهل في نظم الاتصالات والإعلام الحر.